آخر الأخبار

مطار القليعات… من ضحية الحسابات السياسية إلى بوابة إنقاذ الشمال {بقلـم عمر محمد بكار – لبنان}

لم يكن مطار القليعات، أو مطار رينيه معوض، يوماً مجرد مشروع إنمائي عادي في أقصى شمال لبنان، بل كان على مدى عقود عنواناً لسجال سياسي طويل، ودليلاً صارخاً على كيفية تعطيل المشاريع الحيوية عندما تتداخل الحسابات السياسية مع المصالح الوطنية.

ففي الوقت الذي شهدت فيه دول المنطقة توسعاً في مطاراتها وبنيتها التحتية الجوية، بقي مطار القليعات خارج الخدمة المدنية رغم امتلاكه كل المقومات التي تؤهله ليكون مطاراً دولياً فاعلاً.
مدرج طويل، مساحة واسعة، موقع استراتيجي قريب من الساحل والحدود الشمالية، وإمكانية استيعاب حركة جوية وتجارية وسياحية كبيرة.
ومع ذلك، ظل المطار لسنوات طويلة أسير الأدراج والوعود والخلافات.

لماذا لم يُشغَّل سابقاً؟

يصعب الحديث عن أسباب تعطيل المطار بعيداً عن الواقع السياسي اللبناني،فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، برزت مخاوف لدى قوى سياسية واقتصادية من أن يؤدي تشغيل مطار ثانٍ في لبنان إلى تقليص مركزية الخدمات والنشاط الاقتصادي المحصور في العاصمة بيروت.

كما أن بعض الجهات كانت ترى في بقاء مطار رفيق الحريري الدولي المنفذ الجوي الوحيد للبنان وسيلة للحفاظ على مركزية القرار الاقتصادي والإداري، فيما كان الشمال يدفع ثمن الإهمال التنموي المتراكم عاماً بعد عام.

إلى جانب ذلك، عانى المشروع من غياب الإرادة السياسية الجدية، وتبدل الحكومات، والأزمات المالية المتلاحقة، ما أدى إلى تأجيل ملف المطار في كل مرة رغم إدراجه مراراً على جداول الأعمال الرسمية.

ما الذي تغيّر اليوم؟

المشهد اللبناني نفسه فرض معادلة جديدة.

فالضغط المتزايد على مطار بيروت، والحاجة إلى تعزيز الأمن اللوجستي للدولة، والتطورات الإقليمية المتسارعة، إضافة إلى الحاجة الملحة لتحريك عجلة الاقتصاد، كلها عوامل أعادت ملف القليعات إلى الواجهة بقوة.

اليوم لم يعد تشغيل مطار القليعات مطلباً إنمائياً لعكار والشمال فقط، بل تحول إلى حاجة وطنية.
فالدول الحديثة لا تعتمد على منفذ جوي واحد، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها.

كما أن التوجه الرسمي الحالي يعكس قناعة متزايدة بأن التنمية المتوازنة لا يمكن أن تتحقق من خلال تركيز المشاريع الكبرى في منطقة واحدة، بينما تبقى مناطق بأكملها خارج دائرة الاستثمار.

أكثر من مطار

إن إعادة إحياء مطار القليعات لا تعني فقط استقبال الطائرات والمسافرين، بل تعني فتح أبواب جديدة أمام الاقتصاد المحلي، وتنشيط القطاعات التجارية والسياحية والخدماتية، وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

وتعني أيضاً إعادة الاعتبار لعكار والشمال اللذين عانيا لعقود من التهميش رغم ما يملكانه من طاقات بشرية وموقع جغرافي استثنائي.

اختبار الدولة الحقيقي

الاحتفال بإطلاق مسار تشغيل المطار خطوة مهمة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الكلمات والخطابات. فالتجارب اللبنانية مليئة بالمشاريع التي وُضعت لها حجرات أساس وأقيمت لها احتفالات، ثم بقيت حبراً على ورق.

لذلك، فإن نجاح هذا المشروع سيقاس بمدى الالتزام الفعلي بالجداول الزمنية، وتأمين التمويل، واستكمال البنية التحتية، وصولاً إلى اليوم الذي تقلع فيه أول رحلة مدنية من أرض القليعات.

عندها فقط يمكن القول إن لبنان نجح في تحرير أحد أهم مشاريعه الإنمائية من قيود السياسة، وأن الشمال بدأ يستعيد جزءاً من حقه الطبيعي في التنمية والإنماء.

لقد انتظر مطار القليعات طويلاً على مدرج الوعود، وربما يكون الوقت قد حان أخيراً للاقلاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى