كيف سرقت السوشيال ميديا إحساسنا بالرضا؟

بقلم : هاني سليم
لم تفعل مواقع التواصل الاجتماعي ما هو أخطر من سرقة الوقت فقط، بل سرقت شيئًا أعمق وأكثر خطورة: إحساسنا بالرضا. ذلك الشعور البسيط الذي كان يجعل الإنسان ينام مطمئنًا، ويستيقظ قابلًا بحياته، حتى وإن لم تكن مثالية.
في الماضي، كان الرضا حالة داخلية، لا تحتاج إلى تصفيق ولا “لايكات”. اليوم، صار شعورًا هشًا، مشروطًا برأي الآخرين، ومتقلبًا بتقلب الشاشة.
المقارنة: الجريمة الأولى
أخطر ما صنعته السوشيال ميديا أنها حوّلت حياتنا إلى مقارنة دائمة.
نقارن بيوتنا، أجسادنا، علاقاتنا، سفرنا، وحتى أحزاننا.
نرى حياة مصقولة، مُنتقاة بعناية، بلا تعب ولا فشل، فننسى أن ما يُعرض علينا هو مشهد مختار لا الحقيقة كاملة.
ومع تكرار المشاهدة، يبدأ العقل في طرح سؤال سام:
لماذا حياتي ليست مثلهم؟
وهنا تبدأ سرقة الرضا.
الرضا المؤجَّل
السوشيال ميديا لم تقل لنا صراحة إن ما نملكه كافٍ، بل أوحت لنا العكس:
· هذا الهاتف لم يعد كافيًا
· هذا الجسد يحتاج تعديلًا
· هذه الحياة تحتاج “تحديثًا”
فصرنا نؤجل الرضا إلى إشعار آخر:
عندما نكسب أكثر،
عندما نبدو أفضل،
عندما نعيش كما يعيش الآخرون.
لكن الإشعار لا يأتي أبدًا.
الإعجابات كبديل زائف
تحوّل الرضا من شعور داخلي إلى رقم على الشاشة.
منشور ناجح = يوم سعيد
تفاعل ضعيف = إحباط صامت
ومع الوقت، لم نعد نسأل:
هل أنا راضٍ عن نفسي؟
بل:
هل الناس راضية عني؟
وهنا يفقد الإنسان بوصلته، لأن رضا الآخرين لا نهاية له.
التعب النفسي غير المعترف به
السوشيال ميديا صنعت إرهاقًا نفسيًا جماعيًا:
· سباق دائم
· إحساس بالتقصير
· خوف من أن نكون أقل
ومع ذلك، نواصل التصفح، رغم أننا نخرج منه أقل رضا، وأكثر توترًا، وأكثر شكًا في ذواتنا.
إنها دائرة مُرهِقة، لكنها مُغرية.
كيف نستعيد إحساس الرضا؟
الرضا لا يُستعاد بزر “إغلاق التطبيق”، لكنه يبدأ بخطوات واعية:
1. فهم أن ما نراه ليس الحقيقة كاملة
2. تقليل المقارنة، وزيادة الامتنان
3. الفصل بين قيمتنا الحقيقية ورأي الآخرين
4. العودة للواقع: العلاقات، الإنجاز الحقيقي، الهدوء
الرضا لا يعني القبول بالجمود، بل يعني ألا نجلد أنفسنا لأننا لسنا نسخة من أحد.



