الذكر بين الاجتهاد والسخرية… حين تتحوّل الزوايا إلى أهداف سهلة بقلم: قمر زياد رمضان

في مشهد يعكس حجم التبدّل في طبيعة النقاش الديني داخل المجتمع، برزت في الآونة الأخيرة حملة لافتة طالت الشيخ عبد اللطيف بكار زكريا وزاويته القادرية في عكار، تجاوزت حدود الاختلاف الفقهي إلى مستويات غير مسبوقة من السخرية والتشهير، وصلت إلى حد التلاعب بمقاطع الذكر وإرفاقها بأغانٍ بهدف الانتقاص والإهانة.
هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها كحادثة عابرة، بل تستدعي مقاربة أعمق تتناول السياق الديني والاجتماعي، وتطرح أسئلة جدية حول طبيعة الخلاف وحدوده، ومن يملك حق الخوض فيه.
التصوف… حضور راسخ في الشمال
ينتمي الشيخ إلى مدرسة التصوف، وهي مدرسة لطالما شكّلت جزءًا أصيلًا من البنية الدينية في لبنان، ولا سيما في الشمال.
ففي عكار وطرابلس، تنتشر الطرق الصوفية بمختلف تفرعاتها، وتُقام مجالس الذكر في أكثر من زاوية، بإشراف مشايخ معروفين، دون أن تُسجّل بحقهم حملات مماثلة من حيث الحجم أو الحدّة.
هذا الواقع يضع علامات استفهام واضحة:
لماذا تُستهدف زاوية بعينها؟ ولماذا يتحوّل شيخ محدد إلى محور هجوم، فيما تُترك حالات أخرى مماثلة خارج دائرة الضوء؟
انتقائية في الاستهداف أم ما وراء الظاهر؟
إن حصر الهجوم في الزاوية القادرية دون سواها، رغم انتشار الممارسات ذاتها في أكثر من منطقة، يكشف عن انتقائية يصعب تفسيرها على أساس ديني بحت.
فلو كان الاعتراض نابعًا من موقف مبدئي من هذه الممارسات، لكان من المنطقي أن يشمل الجميع، لا أن يُختزل في حالة واحدة.
أما حين يُسلّط الضوء على جهة دون غيرها، فإن المسألة تتجاوز النقاش الفقهي، لتلامس أبعادًا اجتماعية وربما شخصية.
من خلاف العلماء إلى فوضى المنصات
الخلاف حول بعض ممارسات الذكر والتصوف ليس جديدًا، بل هو موضوع قديم تناولته كتب العلماء، وتباينت فيه الآراء بين مؤيد ومعارض، ضمن أطر علمية واضحة.
غير أن ما يجري اليوم يُظهر تحوّلًا خطيرًا:
فالنقاش لم يعد محصورًا في دوائر العلم، بل انتقل إلى فضاءات مفتوحة، حيث يتصدّر غير المختصين مشهد الحكم والتقييم، وتُختزل القضايا المعقّدة بمقاطع مجتزأة وتعليقات ساخرة.
وهنا تكمن الإشكالية، إذ يُستبدل الاجتهاد بالانطباع، والعلم بالتصفيق، والحجة بالتهكّم.
السخرية كأداة… حين تسقط أخلاقيات الاختلاف
إن استخدام الأغاني والمقاطع الساخرة في تناول مشاهد الذكر لا يمكن اعتباره نقدًا، بل هو شكل من أشكال التنمّر الرقمي، يهدف إلى التشويه لا إلى التصويب.
هذا الأسلوب يعكس تحوّلًا في أدوات الصراع الفكري، حيث لم تعد الحجة هي الوسيلة، بل السخرية والإحراج العلني، في محاولة لكسب الرأي العام عبر الإثارة لا الإقناع.
والأخطر من ذلك، أن هذا النمط من الخطاب لا يسيء فقط إلى الشيخ أو الزاوية، بل يضرب هيبة الخطاب الديني ككل، ويفتح الباب أمام فوضى يصبح فيها كل شيء قابلًا للسخرية.
بين الدين والمجتمع… أزمة أعمق
ما تتعرض له الزاوية القادرية وشيخها اليوم لا يمكن فصله عن أزمة أوسع يعيشها المجتمع، حيث تتراجع معايير الحوار، ويغيب الحد الأدنى من احترام الاختلاف.
فالقضية لم تعد تتعلّق بمشروعية الذكر أو كيفية أدائه، بل بكيفية إدارة الخلاف:
هل يبقى في إطار علمي محترم، أم يتحوّل إلى حملات تشهير وإساءة؟
خاتمة
في عكار، حيث التنوّع الديني والاجتماعي جزء من الهوية، يبقى التحدي الحقيقي ليس في توحيد الآراء، بل في صون مساحة الاختلاف.
أما تحويل هذا الاختلاف إلى مادة للسخرية، فهو لا يعكس قوة موقف، بقدر ما يكشف عن أزمة في الوعي وأخلاقيات النقاش.
وبين الذكر والسخرية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام خلاف ديني مشروع… أم أمام ظلمٍ يُمارس تحت غطاء الاختلاف.



